تقرير: علي سمودي

في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك ، خيمت أجواء الحزن والألم في منزل المواطن صبحي عبد عثمان موسى في بلدة سيلة الظهر ، وخاصة لدى الوالدة رسمية ” أم زهير ” التي غرقت في بحر من الدموع مع صوت أذان المغرب ، عندما شاهدت الأبناء والبنات الستة وأحفادها ال22 على مائدة الإفطار ، بينما يغيب الكيان الصهيوني، عنها نجلها الأسير عمار للعام الثامن عشر على التوالي في سجن “النقب ” الصحراوي ، وتقول ”
كل العالم لا يعوضني عن حبيب قلبي ومهجتي وروحي عمار الذي اشتقت لعناقه وضمه لصدري ، قلبي عليل وحزين على فراقه ، وخلال شهر رمضان ، تكبر معاناتي فهو الذين يزينها لانه نواره منزلنا “، وتضيف ” على مدار السنوات الماضية لم نفرح يوماً بمناسبة ، وألمي اليوم كبير ، فقد مرعلينا 18 رمضان ونحن ننتظر عمار ليجلس معنا على مائدة واحدة،ويجتمع شملنا من جديد ، فلا يوجد أصعب من رمضان في غياب الأحبة الذين تسرق السجون زهرة شبابهم “، وتكمل ” رغم اجتماع كل أحبتي حولي ، لم اتمكن من حجب دموع الشوق والحزن وشريط الذكريات يمر أمامي ، هنا كان يجلس وهناك يصر على إطعامي ويفرحنا بأحاديثه الشيقة وحضوره الجميل “، وتتابع ” منذ اعتقاله ، ابتعدت حتى طهي الطعام الذي يحبه ، لان ذلك يؤلمني وينغص حياتي ، فكيف لي أن أتناول أي طعام يحبه وهو محروم منه ومغيب عني في سجون الاحتلال الإسرائيلي؟

من حياته ..
يعتبر الاسير عمار الرابع في عائلته ، أبصر النور في بلدة سيلة الظهربتاريخ 9/10/1977 وتقول والدته “ام زهير” التي تجاوزت العقد السادس ” منذ صغره ، كان المميز بين اخوانه وأقرانه لما تحلى به من سمات ، أخلاق عالية وحب العائلة وبر الوالدين ، عاش مطيعاً ومتواضعاً وكريما ويؤدي الصلاة في المسجد ، ولم يكن يتخلف عن مساعدة الصغير والكبير ، فارتبط بعلاقة طيبة مع كل الناس الذين احبوه واحترموه دوما “، وتضيف ” عاش وترعرع في بلدتنا التي تلقى تعليمه بمدارسها ، أحب العلم وامتلك الطموح فاجتهد وثابر حتى انهى الثانوية العامة بنجاح ، لكن بسبب الظروف لم يكمل طريقه للجامعة.

نضال واعتقال ..
رغم صغر سنه ، شارك عمار في انتفاضة الحجر،وتتذكر والدته ، تمتع بروح وطنية ونضالية عالية ، لم يكن يهاب الاحتلال ويتقدم الصفوف بالمواجهات مما عرضه للاعتقال لمدة شهرين ، وتقول ” كأبناء جيله ، ترسخ حب وعشق الوطن في اعماقه ، فكان غيوراً على ارضه وشعبه ، وعندما اندلعت شرارة انتفاضة الاقصى ، لم يتأخر عن تلبية النداء ، شارك في كافة الفعاليات الجماهيرية ، لكن لم نعلم بدوره وبطولاته حتى تعرض للاعتقال “، وتضيف ” بشكل سري ، كان يتسلل ليلاً ليشارك مع اخوانه في سرايا القدس بالمقاومة والاشتباك مع الاحتلال الذي اعتقله بتاريخ 19/8/2003 في كمين للوحدات السرية الخاصة “، وتكمل ” تعرض للتحقيق القاسي على مدار شهرين في زنازين التعذيب بسجن الجلمة ، عانى خلالها الكثير من الضغوط النفسية والجسدية ، وعشنا أيام عصيبة لانقطاع أخباره.

الحكم والهدم ..
عندما كان عمار يتعرض للتحقيق وتمديد توقيفه بين المحاكم العسكرية ، عاقبت الاحتلال عائلته بهدم منزلها وتشريدها ، وتروي الوالدة أم زهير ، في البداية عوقبنا بمنع زيارته ، كنا باشد الحاجة لرؤيته والاطمئنان عليه بعد رحلة التحقيق والعزل ، ولكن حتى في المحاكم ، لم يسمح لنا بالحديث معه وحتى مصافحته ، وكانت صدمتنا الكبيرة بعد عام ونصف من جلسات العذاب في المحاكم بالحكم عليه بالسجن 21عاماً ، بتهمة الانتماء والعضوية في سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي والمشاركة في عمليات للمقاومة ، وتضيف ” ابتسم عمار في قاعة المحكمة ، وردد رغماً عن السجانين : اصبري يا والدتي الحكم لرب العالمين ، فرفع معنوياتي كثيراً ، لكن مسلسل العقاب والانتقام لم ينتهي ، فقد احتجز رهن العزل الانفرادي في السجون لفترات طويلة ، وحرمنا الاحتلال من زيارته لسنوات طويلة ، لكن صبرنا وكنا دوماً لجانبه بثقة كبيرة برب العالمين ليحميه ويفرج سجنه.

اضراب عن الطعام ..
مرت السنوات ، والسجان يعاقب عمار بالمنع الأمني ، فأعلن الاضراب عن الطعام ، وتقول والدته ” فشلت كافة الجهود والمحاولات للحصول على تصريح لزيارته ، فقرر التحدي وخاض اضراباً مفتوحا عن الطعام مطالباً بالغاء القرار التعسفي ، ورغم الضغوط رفض التراجع عن خطوته “، وتضيف ” بعد اسبوعين ، علق عمار إضرابه بعدما نجح في انتزاع حقه المشروع ووافق الاحتلال على السماح لي بزيارته التي كانت لحظات جميلة لن أنساها طوال عمري “، وتكمل ” رغم معاناتي من أمراض الضغط والسكري وضعف في النظر ، لم أتأخر عن زيارة واحدة لابني عمار ، لأراه وأكحل عيني منه ، ولازلت منذ 17 عاماً ، أقف على بوابات السجون ، رغم الصعاب ومشاق الطريق والحواجز وظلم وتعسف الاحتلال “، وتتابع ” أنتظر موعد اللقاء كأنه عيد، وسنبقى صامدون وثابتون في وجه المحتل الذي يريدنا بإجراءاته التعسفية أن نتخلى عن أسرانا ، لكن نقول ” لا وألف لا ، لن يحلم ابدا بذلك فأولادنا هم أرواحنا ولن نتخلى عنهم أبداً.

السجون جامعات ..
وسط صور عمار وشهاداته التي تزين جدران منزلها ، وقفت الوالدة أم زهير ، تتحدث بفخر واعتزاز ، عن تجربة صمود وتحدي أسيرها ، وقالت “رغم الألم والوجع والعزل الذي تعرض له ، فان سنوات الأسر لم تنل من عزيمته ، فالاحتلال يسعى دوماً الى تحويل الأسير الى إنسان مفرغ ويعاني من الإحباط والاكتئاب، وأن يكون ضعيفا لا حول له ولا قوة ،لكن عمار استطاع ان يكمل دراسته الثانوية العامة بنجاح “، وتضيف “انتسب لجامعة القدس المفتوحة تخصص اجتماعيات وما زال يعيش حياته الطبيعية ،والحمد الله بإرادة أسرانا أصبحت السجون مدرسة وجامعات ومحطة علم لاتتوقف،فالمهارات المكتسبة والمتنوعة كثيرة ولا تنتهي عند الاسرى بعقولهم المنيرة وهي تحقيق لانجازات لتنميتهم كاسري وهم يدفعون فاتورة أعمارهم خلف القضبان والتي تساوي الدماء الزكية للشهداء.

القلق من كورونا ..
بعد كل مائدة إفطار ، تجمع أم زهير ، أحفادها حولها لتروي لهم قصص وحكايات عمهم وخالهم الأسير ، وتقول ” كل حياتنا تأثرت خلال اعتقاله ، لم نشعر بفرح حتى عندما تزوج أبنائي وبناتي ، وما زال الحزن يلازمني بعدما أصبح لدينا 22 حفيداً محرومين من زيارة عمهم وخالهم ، لكن من خلال احاديثي لهم ، ازداد تعلقهم وحبهم واعتزازهم به ، ويشاركونني كل صلاة لحريته “، وتضيف ” تمر الايام علينا حالياً ، بمشاعر قلق وتوتر منذ تفشس فيروس كورونا الذي حرمنا من زيارة أسرانا ، ونتوجع كل لحظة أكثر عندما نسمع إنباء إصابات داخل السجون التي تعتبر وباء، فكيف لوباء اخر يدخل على السجون ويهدد حياة الاسرى ؟ “، وتكمل ” سلاحنا الوحيد ، لدعاء رب العالمين في هذه الايام المباركة ، لينتهي هذا الوباء قريبا وتعود الحياة لطبيعتها وتتحطم قضبان السجون ويجتمع شملنا مع أسرانا في رحاب الحرية والاستقلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *